صحيفة الضفتان
 
 
Saturday, April 19, 2014
منصور شاشاتى
انطوان معوض
عبد السلام الزغبيى
زكرى العزابى
مقالات وتحليلات
مقالات - واعمدة > مقالات حرة > وَعَلَى الفَاشِرِ .. السَّلاَم! / عالم عباس محمد نور

وَعَلَى الفَاشِرِ .. السَّلاَم! / عالم عباس محمد نور

نشرت بواسطة admin on 2010/12/31 (624 عدد القراءات)

الإثنين
سنوات ثلاث مضين، منذ آخر عهدي بها، متثاقلات كليل النابغة "تطاوَلَ حَتى قِيلَ ليسَ بمُنقض". ألقيت عصا الترحال في عاصمة البلاد، أخيراً، بعد اغتراب طويل مرير، ومبلغ هَمِّي أن أصل الفاشر، وبي حنين إليها لا يعرفه إلا من كابد الشوق وعانى الصبابة .. شوق ما أفلَحَتْ الخرطوم إلا في إضرامه، كحال المتنبي قاصداً حلب: "لا أقمنا على مَكان وإنْ طابَ ولا يُمكِنُ المكانُ الرحيلُ/ كلما رَحَّبَتْ بنا الرَّوضُ قلنا حلبٌ قصَدْنا وأنتِ السبيلُ/ فيكِ مَرْعَى جيادِنا والمَطايا وإليها وجيفنا والذميلُ"!
سنوات ثلاث، قبل أن تحط طائرتنا على أرض مطارها نهار الثلاثين من أبريل المنصرم. رابضة تحت الوهج طائرات الأمم المتحدة، بلونها الأبيض، وعلامتها المميزة، طائرات عسكرية كبيرة، وأخرى أصغر، وأكوام ذخائر وعتاد حربي لم يحسن أصحابه تغطيته فتركوه مكشوفاً، ربما عمداً، ليثير الرعب! الجنود، بقبعاتهم الزرق، وحركتهم القلقة، شاكي السلاح، يتلقون تعليمات القادة. منشئات تحت التشييد هنا وهناك، وأرض المطار الرمادية زادها المحل والجفاف وجفاء العسكر سخاماً .. "ومَا الحربُ إلا ما عَلِمتم وذقتم/ وما هو عنها بالحَديثِ المُرَجَّم"!
تعجلنا الخروج هرباً من (كآبة المنظر)، ولهفة للأهل والأحباب (من تبقى منهم!)، ولمراتع الصبا (ما تبقى منها!)، وهيهات هيهات .. "وكم هارب مما إليه يؤول"!
شارع المطار اتسع، واكتسى طبقة من (الزفت) يسَّرَتْ انسياب أسراب (التيكو) التي تتطاير كالذباب! والبقعة شمال المطار وغربه عمرت. طيبة الذكر (الفاشر الثانوية) احتلتها الآن (جامعة الفاشر). سمقت منازل، وعلت طوابق، وتوارى وسط كتل الأسمنت (المستشفى السعودي) الذي كان منعزلاً هنا، كأول المشروعات، قبل أكثر من عقدين! فوق بعض المباني، وعلى سيارات اللاندكروزر الكثيرة، ترفرف أعلام الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، ومنظمات أخرى أغلبها يعمل صالحاً، مع قلة تخلط الطيب بالخبيث، والدسم بالسم!
يمَّمنا شرقاً بالطريق اليتيم، عابرين جسر البريطانيين المتهالك الذي ما زال يجتاحه (وادي الفاشر) كلما غضب، دون أن ينال من سنوات ما بعد الاستقلال غير بضعة ترميمات خجولة! صخور الطريق ناتئة رغم رقع الزفت، وثمة حجارة مصفوفة في محاولة خائبة إما لرصف مجرى مائي يحاذي تل الرمل حتى لا يجرفه السيل، أو لصدِّ الرمل نفسه حتى لا يدفن الشارع.
على يميننا القشلاق، وكان يسمى (الحملة)، ثم اشتهر باسم (البُلك)، بناديه ذي المسرح المُطل على الشارع الرئيس الذي يقود إلى مصلحة الأشغال (سابقاً). وعلى يسارنا مئذنة جديدة، لمسجد جديد، قرب مدرسة جديدة، داخل المنطقة التي تتبع للجيش!
ينعطف الشارع بنا شمالاً، ثم ينحدر شرقاً، بعد أن يدور حول نصب شهداء وجرحى ثورة أكتوبر من أهل الفاشر، والإهمال عليه بادٍ! أما السور المحيط بالمنطقة العسكرية فقد زيِّن بشعارات ولوحات كبيرة زاهية الألوان تمجد الجيش: (جيش واحد شعب واحد)، و(يدٌ تحمي ويدٌ تبني) .. ولم يكن ذلك مألوفا! على أن المدهش، حقاً، هو أن هذه الشعارات مكتوبة أيضا .. بالإنجليزية! ونحسب أن المقصود لفت انتباه الأجانب، فعن نسبة نجاح التلاميذ في اللغة الإنجليزية، خلال السنوات الماضية، حدِّث ولا حرج!
على يمينك، باتجاه الشرق، قصر الوالي، ثم قصر السلطان الذي يضم المتحف والإدارات الحكومية. ومع بداية الانحدار تبصر، على يسارك، ضريح السلطان علي دينار، الأثر التاريخي الخالد، بتصميمه الهندسي المميز، وقبته المخروطية العجيبة. ومن هنا تنبسط أمامك الفاشر ببانورامية جلالها المبهرة! فمن لي بوقفة أحمد بن الحسين على الأطلال "وُقوف شحيح ضاعَ في التربِ خاتمُه"! أو وقفة بن العبد يسائل التي "أعيَتْ جَواباً وما بالربع مِن أحَدِ"! أم تراها مناجاة إبراهيم ناجي أليَقُ بي وأبلغ: "هذه الكَعْبَة كنا طائِفيها/ والمُصلونَ صباحاً ومَسَاءا/ كَمْ سَجَدنا وعَبَدنا الحُسن فيها/ كيفَ باللهِ رَجَعنا غرَبَاءا"!
وانبجست دمعة!

الثلاثاء
وما زلت أتلمس وجه (فاشري) القديمة، كما طفل يتلمس وجه أمه الرءوم ..
لكنني دخلت حيَّنا القديم، حيَّ الوكالة، كأنني موسى، خائفاً أترقب! مررت بمسجد الختمية الذي اختنق بالدكاكين والأكشاك وطاولات الباعة، فلمحت بعين خيالي أشجار القشطة والجوافة التي كانت، في ما مضي، تتدلى من منزل عمنا شاشاتي، لكنه بيع لسكان جدد! ومنزل آل الأمين العركي، وقد تداعى! ومنزل آل محمد الصديق السنهوري وقد تصدع! وفاضت عَبَرَتي حين تذكرت رفيق صباي منصور إلياس شاشاتي الذي فارقته مذ تخرجنا في الفاشر الثانوية واستقر به المقام في أثينا. ويا كم بحثت عن عنوانه وما أزال، عساي أرمِّم، بمراسلته، بعض ما تداعى من أركان روحي .. وهيهات!
آل شاشاتي أصلهم من الشام قدموا دارفور من قديم، وهم أسرة ممتدة ما بين الخرطوم والأبيض، والفاشر، والجنينة، وحتى أبشة وأنجمينا في تشاد. وثمة علاقات في دارفور كيَّفت نفسها بعمق، فلا يسبر غورها إلا ذوو الحِجا من الباحثين في تاريخ الإقليم، وخلفيات كياناته الاجتماعية والدينية المعقدة. فزوج عمنا إلياس، والدة منصور، مسلمة من قبيلة البرقو أو (الودَّاي سياد الراي)! ولمنصور إخوة وأخوات كانوا من خيرة شباب الفاشر. خليل الذي عاجلته المنية مبكراً كان لاعب كرة موهوب بمريخ الفاشر، وباسيلي حارس مرمى الأهلي، ولاعب السلة الماهر، المحبوب، نبيل القلب، الذي لمَّا توفي أصر المسلمون على أنه مات مسلماً! ود. عادل الطبيب الإنسان، ود. عادلة طيبة السيرة والسريرة، ولعل سكان مدينة المهدية بأم درمان يذكرونهما في عيادتهما الشهيرة هناك، وميخائيل الودود، ثم أصغرهم منصور .. صديقنا السمح!
ومنصور حمل السودان كله في قلبه حين هاجر إلى أثينا، وقد آلم فؤاده بعمق ما أصاب أهله وأحبابه في دارفور، فسطر في منبر (سودانيز أونلاين)، في يوليو عام 2004م، مقالاً بعنوان (لدارفور علينا حق)، وصف فيه الدارفوريين بأنهم "يتميزون بالنخوة وعزة النفس والانضباط ، ما أتاح لهم شكلاَ إدارياً اتخذ أسماء كبرى القبائل .. وهو نفس الشكل الإداري الذي بنى عليه الإنجليز نظامهم منذ إسقاط آخر حصن مستقل، وضمه إلى السودان الذي رفع الراحلان الكبيران الأزهري والمحجوب علم استقلاله عام 1956م، والذي استند على زعماء كان همهم خلق أجواء التعايش والتمازج والانصهار بين القبائل، فأوجدوا صيغة رائعة لحل الخلافات، والاحتكاكات، والقضاء على بؤر الفتنة قبل أن تستفحل. أقول ذلك وأنا أقف مشدوهاً أمام هول ما يحدث في تلك الأرض الطيبة الحاضنة .. إن ما يحدث الآن ليس من طبع هذا المكان ولا أهله. أخوالي الذين، كما سمعت من حكايات أمي رحمها الله، وجدوا في تلك الأرض الطيبة ملاذاً بعد سقوط (سلطنة وداي سياد الراي) كما كانت تصر على نعتهم وتفاخر بالانتماء إليهم. وأعمامي، كما حكى لنا والدنا رحمه الله، جاءوا إليها من الشام تجاراً سلكوا درب الأربعين وغير درب الأربعين، فاغتنوا من خيرها، ونعموا بكرم نظارها وشيوخها وناسها الخيرين". ويمضى منصور يقول: "مطالب أهل دارفور كانت ولم تزل عادلة .. فمنذ الاستقلال ظلت المدينة وبقية المديرية على حالها كما تركها الإنجليز! أكملنا الثانوية عام 1968م ونحن نقرأ بالفانوس! والماء نجلبه (بالخُرُج) من (الدونكي) أو الآبار ومن (الفولة) لنسقي الزرع والحيوان! تلك كانت الحال حين كانت الخرطوم غيرها الآن: النوافير، والحدائق، والمعامل، والمصانع، والجامعات، والنوادي! كانت باختصار مدينة لا تشبه الفاشر! وللحقيقة أقول أنني أصبت بالصدمة الحضارية وأنا أنتقل اليها، و .. لم أشعر باختلاف كبير بينها وبين أثينا التي جئتها عام 1969م، لكني صعقت عندما عدت إلى الخرطوم بعد 17 سنة قضيتها في اليونان، طيلة حكم النميري، لأني رأيتها مشوهة، قذرة، ناسها غير ناسها"! ويتذكر منصور نشاطنا، أيام الخميس، في الجمعية الأدبية بالفاشر الأهلية الوسطى، قائلاً: "شاركت مع زميلي، وقتها، والشاعر والباحث المعروف الآن عالم عباس، هو بقصيدة إيليا أبو ماضي (وطن النجوم أنا هنا/ حدِّق أتذكر من أنا/ أنا ذلك الولد الذي/ دنياه كانت هاهنا)، وأنا بقصيدة لشاعر سوداني من مدينة الفاشر، لبناني الأصل، هو إميل فواز، وكانت عن الثورة الجزائرية، وقد نشرت وقتها في صحيفة كردفان. فاز عالم بأبي ماضي، وجئت أنا بعده بفواز .. وللتاريخ أقول إن المظاهرة الوحيدة التي تمكن المشاركون فيها من الوصول إلى علم المستعمر الإنجليزي وحرقه، شهدتها مدينة الفاشر، وكان فواز رحمه الله .. في طليعتها". ثم يختم بقوله: "لدارفور وأهلها حق علينا، إذن، وواجب، فلا تسكتوا على الظلم الذي حاق بها"!
ويا صديقي منصور، حياك الله أينما كنت، ومتعك بالصحة والعافية، وعسى لقاء قريب على أعتاب (حجر قدو)، عند منزلكم الذي ينتحب لفراقكم، بعد أن حفظ العهد طويلاً حتى انهارت قواه، فاشتراه قوم لا تعلمهم ولا نعلمهم، وما زال شارعكم يفتقد بشاشة عمنا إلياس ومولانا البشير مالك يتبادلان التحايا، ويزرعان التسامح، طيَّب الله ثراهما، فقد جنبهما أن يشهدا .. مأساة دارفور!

الأربعاء
وما زلت أتمرَّغ في أحضان الفاشر ..
ومجموعة (التنمية من الواقع الثقافي)، إحدى أهم منظمات المجتمع المدني في المدينة. مجموعة من الشباب المتحمس الواعي، ترفدهم حكمة شيوخ متجردين، ومبلغ همهم استنهاض إنسان دارفور على ميراثه الثقافي الزاخر، تنقيباً فيه بحُب، واستخلاصاً لدروسه بوعي، لأجل استلهامه، وإعادة إنتاجه، باتجاه تغيير الواقع المزري، والسمو به نحو الآفاق التي ارتادها الأسلاف.
قبل نحو من أربع سنوات لبيت دعوتهم بالمجمع الثقافي، حيث كانوا يجتمعون كل أربعاء. ولمَّا توسعت عضويتهم، وبرز نشاطهم للعيان، نشط الاستقطاب والمضايقات، كالعادة للأسف، فاستأجروا داراً خاصة يزاولون فيها نشاطهم! ودعوني، هذه المرة أيضاً، فوجدتهم قد أنتجوا شريطي كاسيت في غاية الإتقان، أحدهما عن السلام يحث أهل دارفور، من خلال موروثهم الغنائي، على نبذ الاحتراب؛ والآخر عن أمثال دارفور، مستودع الحكمة النافذة، كتجربة رائدة، ونموذج للمعايشة اللصيقة لقضايا الناس في إطار غنائي أيضاً. وقد لاح لي وجه الشبه بين عملهم هذا وبين أسلوب ابن مالك في نظم ألفيته النحوية في أرجوزة يسهل حفظها ويتيسر فهمها. تجربة مدهشة، بحق، توفر عليها فنانون شباب ما عدموا دارفوريين أسخياء بذلوا من مالهم ووقتهم في التمويل والترويج.
نظموا لي ثلاثة لقاءات مثمرة، الأول مع شعرائهم، فتسامرنا سمراً جميلاً حول إبداعاتهم، والثالث قدمت خلاله بعض قصائدي القديمة والجديدة. أما الثاني فكان ندوة تناولت فيها (دور الثقافة والإبداع في سلام دارفور)، كما عكست نشاط (تحالف المبدعين لسلام دارفور) الذي أسسناه في الخرطوم مؤخراً بقيادة صديقنا عبد الله آدم خاطر.
في تلك الندوة تحدثت عن دور الثقافة الغائب في اتفاق (أبوجا)، وعن (المثقف) و(السياسي)، وهل هما نقيضان أم متكاملان، وعن أسباب إحجام (المثقف)، وعن السلاح تطمر قعقعته صوت الثقافة، فتغيب الحكمة، وعرضت لنماذج من الثقافة الدارفورية آن أوان استنطاقها في معالجة المشكلات. تحدثت أيضاً عن الفرق بين (التعليم) و(الثقافة)، وعن (القلم الما بزيل بلم)، وعن مسؤولية (المثقف) تجاه الناس، وعن دور (الحكامات) في محرقة دارفور، وعن كيفية تحويل الطاقة الإبداعية المدمِّرة إلى طاقة سلام، وعن الفرق بين (الصبر) وبين (الاستكانة)، حيث (الصبر) جهد إيجابي، و(الاستكانة) خنوع وضيم، والقاعدة الصحيحة هي (لا يغير الله ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم). ثم تحدثت عن (تحالف المبدعين)، وأعضائه، وأهدافه، وآليات عمله، كحشد مدني للطاقات الإبداعية السودانية، وتوجيهها لخدمة سلام دارفور، وفق رؤية إستراتيجية متكاملة، ضمن إطار أكثر وسعاً، وشمولاً، ورسوخاً.

الخميس
وما زلت بالفاشر عرضة لمفاجآتها ..
فقد دعاني نادي الشعر بالمجمع الثقافي للقاء أعضائه، والاستماع لأشعارهم، وتبادل النقد والتذوق، فاشترطت أن تصلني القصائد مسبقاً ليكون لديَّ متسع من الوقت كي أنظر فيها بروية، إذ من الصعب أن تدلي برأي في قصائد تسمعها لأول مرة، وفي جلسة واحدة!
سعدت بمجموعة الأشعار الجيدة والناضجة والمبشرة التي قدمت لي، ومنيت نفسي بحوار ممتع في جلسة صغيرة مع شباب محب للشعر. لكن الأمر كان أكبر من تصوري! كان حفلاً كبيراً آخر، شارك فيه وزراء، ومستشارون، ومفوضون، ومعتمدون، وقادة أجهزة أمنية! وبعد أن قرأ الشعراء قصائدهم، وتحدث أهل الحل والعقد، دعوني إلى المنصة .. فأسقط في يدي!!
لم يكن ذلك في الحسبان، فقد أعددت نفسي لحديث أهل الأدب مع بعضهم البعض، في حلقة دافئة بالشعر والمحبة لا يتجاوز عدد أفرادها العشرة، لكن ها أنذا، فجأة، مطالب بالحديث وسط كل هذا الهيل والهيلمان!
إنتهزتها فرصة، فشكرت الحضور، وحمدت للمدينة أن تحترم رموزها، وتحتفي بتميزها. لكنني أضفت أنها يجب، أيضاً، أن تصون معالمها، ومن أشهرها نقعة الفاشر التي بناها السلطان عبد الرحمن الرشيد عام 1792م، ونقعة الخليفة محمد نور. فالأولى اختفت، وعفت آثارها، وحلت محلها الأكشاك والأطلال الشائهة! أما الأخرى فقد شيدت فيها مبان في غاية القبح! وحتى رهد تندلتي شوِّه منظره، واختنق بصفائح، وحوائط، وأكشاك، وبثور دميمة، بل وصار مواقفاً لسيارات (التيكو)! ومنذ أن شببنا كان أميز ما يميز الفاشر (آبار حجر قدو)، فكيف سمح المسئولون أن تدفن بالأكشاك الشوهاء، والدكاكين البائسة، فلا تبقى منها ولا بئر واحدة، ولو من باب الحفاظ على رمزية الموروث التاريخي، في مدينة يقتلها العطش، ولا يشرب (أرقى) أحيائها إلا مرة كل أسبوع؟! وشنأت ترك الحبل على غارب (العبقرية) الإستثمارية تحاصر حتى واجهات المدارس والمنتديات، بل والمجمع الثقافي نفسه، لا بالمكتبات وأكشاك الصحف، وإنما بكل ما لا يخطر على البال من كناتين وأبسطة وأكشاك خردوات! والأدهى أن تلك (العبقرية) تفتقت، أيضاً، عن مراحيض استثمارية عامة! فاعجب (لثقافة) تقتات من الخبائث!
أما ما ردَّ به المسئولون على انتقاداتي فسأمسك عنه، حتى لا تقولوا إن العذر أقبح من الذنب!

الجمعة
وما زلت بالفاشر أبحث عنها .. فيها!
لكنني أكاد أنكرها! هل تراها هي (فاشري) ذاتها؟!
أحاول المشي، صاعداً، من نقعتها وسط الزحام الخانق، عابراً السوق المكتظة بالفوضى، متعثر في الناس، وأكوام الأواني البلاستيكية الرخيصة، وقمامات المصانع الخلفية اللافظة لكل سنخ رخيص من الأجهزة التايوانية، والإلكترونيات الصينية، والملابس الجاهزة، والأطعمة التي خالطها الغبار، والفضلات المندلقة، والمياه القذرة، والأكشاك والطبالين والفرشات، والناس كيوم الحشر، في هرج ومرج بشتى الألسن واللهجات والسحنات .. صينيون، ومصريون، وباكستانيون، وقرويون نازحون، وغرب أفارقة، وجنود القوات الهجين، ومقاتلون حكوميون وغير حكوميين من كل شاكلة ولون، وهلم جرا!
هنا يختلط اللحم المكشوف، وجيوش الذباب، ودخان الشواء، بأكوام الخضر، والفاكهة، والغبار، والتراب، والمحاصيل المختلفة!
هنا تجد نفسك كما أبو الطيب في شعب بوَّان .. "غريبَ الوَجهِ واليَدِ واللسَان"!
هنا لا بد أن تحتك بأحدهم، أو يحتك بك، وربما يحتد الكلام، وربما تسمع شتيمة ما، أو تتلقى نظرة شذرة، وتلك أخف الأضرار!
هنا، إن كنت غراً مثلي، سيقتلك الرعب مرتين! فقد أحصيت في الشارعٍ الوحيد الذي يشق السوق الكبير من الغرب إلى الشرق، بطول لا يتجاوز الكيلومتر، عشرات اللاندكروزرات تنطلق بسرعة خطرة وسط الزحام، محتشدة بمدافع الدوشكا وبالمقاتلين، وبعضهم يافعون! بل وأحصيت أكثر من سبعة أزياء عسكرية لا تعرف أيها يتبع لمن! هذا عدا عن الجائلين بالعراريق واللباسات مدججين بالكلاشنكوفات! وارتعدت حين فكرت في ما يمكن أن يحدث لو انطلقت رصاصة بالخطأ! ويحدثك الناس بما يقشعر له بدنك من قتل في بيوت الأعراس بسبب السكر، ونهب مسلح في وضح النهار أحياناً! مع ذلك قيل لي: تماسك .. كل هذا عادي!
والحقيقة أنه يبدو كذلك بالفعل، إزاء حالة اللامبالاة لدى الناس الذين لم تعُد لهم حيلة، في ما يبدو، سوى اعتياد النوم "في جفن الردى"! فلكأنهم تآلفوا مع واقعهم تآلف أهل العاصمة مع غلاء الأسعار، وكذب نشرات الأخبار، واستشراء أمراض الضغط والسكري، ونفاق الحكام الذين لا يكفون عن ترديد أن كل شيء على ما يرام .. بحمد الله!

السبت
وما زلت أستقبل مفاجآت الفاشر ..
فقد وجه لي سيادة والي شمال دارفور الأستاذ محمد يوسف كبر، عبر الوزير المختص بالثقافة، دعوة عشاء مساء الجمعة 9 مايو لتكريمي باسم الولاية! وأصدقكم القول بأنني توجست، في البداية، من حكاية (الجرادة) في فم (الثعبان)! لكن استبشار الأصدقاء بأن ذلك التكريم إنما يصب في خدمة الثقافة في الإقليم دفعني لأن أستجيب للدعوة الكريمة!
دخلت قصر الوالي، فهالتني كثرة المدعوين، خصوصاً وقد تزامن الحفل مع افتتاح المجلس التشريعي للولاية. فإذا بكل الدستوريين، وأعضاء المجلس، وطاقم حكومة الولاية، وقادة الجيش والأمن والشرطة هنالك. وجدت بينهم أصدقاء صبا ودراسة، ورفاق في مجالات الثقافة، وزملاء في تقاطعات العمل العام. الكلمات أطنبت في الإشادة وإحسان القول، وما ظننتني أستحق عُشر معشار ما قيل، لكنني أسأل الله أن يجازيهم ويغفر لي. سمعنا شعراً ومدحاً وكلاماً طيباً. ولمَّا أعطوني الفرصة لمخاطبة جمعهم الكريم، شكرتهم، وأرجو أن أكون قد فعلت بما يوافي بعض جميلهم، ثم عرجت إلى تراث دارفور الثقافي أستلهم منه حكمة الأهل، وأنا في حضرة أهل الحل والعقد بالولاية، وأركز على المعادلة الصعبة بين ما يتوفر للمواطن وما يطمح إليه. تطرقت لشحِّ الموارد وقلة حيلة من ولاهم الله أمر العباد! ودعوتهم لأن يوسعوا صدورهم لشكاواهم وأن يسعوا لإسعادهم ما وسعهم السعي، وأوصيتهم بأن أهل الثقافة والمبدعين أمانة في أيديهم بحكم سلطانهم، فعليهم الاهتمام بهم، والاستماع إليهم، وغشيان أنديتهم، وتذليل صعابهم، إذ هم ذاكرة الناس، ومستودع حكتهم الشعبية، وخط الدفاع الأقوى والأبقى عن نسيجهم الاجتماعي، وإن فيهم لأنفة وكبرياء يمنعهم من التقرب إلى الحكام، ولذا فإن على أهل السلطان أن يبادروهم بالتقرب، ففي ذلك خير كثي إن كنا، حقاً، نروم الخير!
تحدث سيادة الوالي معدداً ما رأى، مشكوراً، أنني بذلت لرفد الحراك الثقافي بالمدينة. وعلق على ما كنت أثرت في تلك الندوة حول (المثقف والسياسي)، وأشهد أنه قال قولاً حكيماً. ثم أردف قائلاً إن هذا التكريم تكريم شخصي للمحتفى به الذي هو أنا، وكرر ذلك! صعد الكبراء، بعدها، إلى المنصة، وجعلوني وسطهم، حيث فاجأوني بأن قدموا لي (حقيبة يد brief case)، إستلمتها وقلبي يخفق! ترى ما هذه (الإكرامية) التي تقدم مقفولة داخل (حقيبة يد) مغلقة لا يرى الحاضرون ما بجوفها!
لقد سبق أن كرمت في محافل عديدة. وفي كل مرة كان رمز التكريم، سواءً وشاح أو شهادة أو درع أو حتى شيك، يقدم علناً بحيث يراه الناس جميعاً؛ أما (حقيبة يد)، فلابد أنها تحتوي على (مبلغ مالي)! ولكن حتى إذا كان ذلك كذلك، فلِمَ إخفاؤه! وخطر ببالي، في تلك اللحظات، قول الذي عرَّف الزواج بأنه (دعوة علنية لاجتماع سري)!
في الطريق إلى البيت، وأنا في غاية الضيق النفسي، طلبت من عديلي الذي كان يقلني بسيارته أن يفتح الحقيبة، فرفض متحججاً بأن تلك هدية شخصية تخصني وحدي! ضايقني ذلك أكثر، فقلت له: إما أن تفتحها أنت أمامي أو تأخذها معك! وأمام إلحاحي أوقف السيارة، وفتح الحقيبة، فتنفست الصعداء!
كانت محتوياتها: قطعة (قماش جلابية) بيضاء ناصعة، لاشك أنها ترمز إلى بياض السريرة؛ و(شالاً) أبيض مطرزاً بالأزرق، لابد أنه يعني الثقافة التي هي زينة بطبعها؛ وقارورتي عطر أتصور أنهما يرمزان إلى إنسان الإقليم، رجلاً أو إمرأة؛ ودستة من (صابون الحمام) الفاخر المعطر، ويعني، بالتأكيد، النظافة، كأنه يقول: "ونزعنا ما في قلوبهم من غل إخوانا". كل ذلك في حقيبة أنيقة ماركة (كراون CROWN)، وكأنها ترمز إلى الولاية التي ضمت كل ذلك في حرز حريز!
باستشعار هذه الترميزات طبت نفساً، وأحسست بالاطمئنان للهدية التي أقبلها بامتنان، فالهدايا على أقدار مهديها، وإنما العبرة في المعاني المتضمنة! لكن الذي ما زال يحيرني هو التكتم الذي أحيط بها، مما يجعل التفكير في محتوى الحقيبة يجمح للظنون والتأويل؟ لكن الحمد لله أن شهد شاهد من أهلها هو عديلي، وها أنتم تشهدون!

الأحد
وما زلت أكتب من الفاشر، ولكن في أخريات أيامي بها ..
وقد نظم لنا الأستاذ الشاعر خليل قمر الدين اسماعيل رحلة بديعة إلى (جنينة القوات المسلحة) المشهورة، منذ أن كنا أطفالاً، (بجنينة الجيش)، على شاطئ تندلتي (الفولة الغربية)، تقابلها، من الجانب الآخر، (جنينة الحكومة)، وأحياناً نسميها (جنينة البوليس) مع أنها كانت، آنذاك، تتبع إدارياً للسجون.
كانت الجنينة كأنها المكان الذي قال فيه الشاعر: "فلمَّا حَللنا منزلاً حَفهُ الندى/ ونبتاً أنيقاً أزهرَ النورَ زاهيا/ أجدَّ لنا طِيبُ المَكان وحُسنهُ/ منىً، فتمنينا، فكنتِ الأمَانيا"! وفي ذلك الجو البهيج الذي يغوي بتغافل الهموم والأحزان، ولو إلى حين، إستغرقنا في الأنس اللطيف ما بين الغناء العذب والخضرة الخلابة، فوقف أحمد حمد النيل يحكي عن السلطان أبو كودة، قال: "غضب عليه السلطان علي دينار غضباً شديداً حتى هرب والتجأ إلى مكان حصين. فأرسل إليه رسولاً قال له:
ـ "السلطان علي قال ليك تعال .. الله عفا عنك والسلطان عافاك"!
لكن أبو كودة أبلغ ردَّه إلى الرسول قائلاً:
ـ "قول للسلطان كتر خيرو، هو عافاني ده أنا عرفتو، لكين هو لاقى الله وين لامن عرفو عافا أبو كودة! كلام ده نَيْ .. أنا ولا ماشي"!
ولكيما يرغم السلطان علي أبو كودة على المجئ إليه أعمل في أهله تقتيلاً، فنصحهم أبو كدوة بأن السلطان يطلبه هو، وما لم يظفر به فسيعانون من بطشه، واقترح عليهم أن يربطوه، ويحملوه إليه، ويقولوا له: "أنحنا جبنا ليك عبدك أبو كودة وانت مخير فيهو، كان تكتلو وكان تخليهو"، علهم بذلك يطفئون غضبه، فيجبر بخاطرهم، ويحفظون دمهم!
ولمَّا شق عليهم القتل استصوبوا رأيه، فحملوه مكتوفاً إلى السلطان، فعفا عنه، وأطلق سراحه إكراماً لأهله، ثم سأله أن يطلب أمنية ليحققها له، وكان معجباً بدهائه، فقال إنه لا يريد شيئاً! فلمّا ألح عليه السلطان، طلب أن يجعله سلطاناً على الحدادين! والحدادون هم أدنى طبقات الهرم الاجتماعي الدارفوري! وفهم السلطان علي أن أبو كودة إنما يريد أن ينأى بنفسه عن أية وظيفة ذات نفوذ تكون مصدر شك لديه، فأجابه إلى طلبه، وعينه سلطاناً على الحدادين.
ومن يومها صار أبو كودة من أغنى الناس، حيث فرض لنفسه نصيباً في كل قطعة يبيعها أي حداد!

ضيف على الرزنامة ـ
10 June 2008 at 8:03pm


تنقل بين المقالات
المقالة السابقة انفجار في «الدولة الرخوة»: كوابيس حـرب أهلية في مصر/ وائل عبد الفتاح الشرائع والذرائع: سمسم القضارف وشريعتها/ مصطفى عبد العزيز البطل المقالة السابقة
 
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع

ألبومات الصور

المستجدات
DSCI0174.JPG
2010/12/20 17:30
admin
DSCI0173.JPG
2010/12/20 17:30
admin
DSCI0172.JPG
2010/12/20 17:30
admin
DSCI0171.JPG
2010/12/20 17:30
admin

الأكثر ارسالا
DSCI0174.JPG
10 مره
DSCI0172.JPG
9 مره
DSCI0173.JPG
8 مره
DSC01963.JPG
4 مره

الأكثر مشاهدة
DSCI0173.JPG
589 مشاهدة
DSCI0172.JPG
528 مشاهدة
DSC01963.JPG
419 مشاهدة
DSCI0171.JPG
399 مشاهدة